أبي حيان التوحيدي

112

المقابسات

أبو عمرو بن العلاء ، وكان من كبار العلماء ، مع زهد ظاهر ، وورع معروف ، دفن كتبه في باطن الأرض فلم يوجد لها أثر وهذا داود الطائي ، وكان من خيار عباد اللّه زهدا وفقها وعبادة ، ويقال له تاج الأمة - طرح كتبه في البحر وقال يناجيها : نعم الدليل كنت ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول ، وبلاء وخمول وهذا يوسف بن أسباط ، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسد بابه . فلما عوتب على ذلك قال : دلنا العلم في الأول ، ثم كاد يضلنا في الثاني ، فهجرناه لوجه من وصلناه ، وكرهناه من أجل من أردناه وهذا أبو سليمان الدارانى ، جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال : واللّه ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك . وهذا سفيان الثوري ، مزق ألف جزء وطيرها في الريح وقال : ليت يدي قطعت من هاهنا ، بل من هاهنا ، ولم أكتب حرفا وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافى ، سيد العلماء ، قال لولده محمد : تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الأجل ، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار . وما ذا أقول وسامعى يصدق : إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى ، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى ، وضني وشجى . وما يصنع بما كان وحدث وبان ؟ إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي ، فقليل واللّه تعالى ، شاف كاف ، وإن احتجت اليه للناس ، ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس ، إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس ، وذلك من فضل اللّه تعالى علينا ولكن أكثر الناس لا يعلمون فلم تعنى عيني ، أيدك اللّه ، بعد هذا بالحبر والورق ، والجلد والقراءة ، والمقابلة والتصحيح ، وبالسواد والبياض ؟ وهل أدرك السلف الصالح في